أحمد مصطفى المراغي
16
تفسير المراغي
الإيضاح ( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ) أي من كان حظهم من الدنيا التمتع بلذاتها من طعام وشراب ، وزينتها من اللباس والأثاث والرياش والأموال والأولاد دون استعداد للحياة الآخرة بعمل البر والإحسان وتزكية النفس بعمل الطاعات بباعث الإيمان - نؤد إليهم ثمرات أعمالهم وافية تامة بحسب سنتنا في الأسباب ولا ينقصون شيئا من نتاج كسبهم لأجل كفرهم ، إذ مدار الأرزاق فيها على الأعمال لا على النيات والمقاصد ، وإن كان لهداية الدين أثر في ذلك كالاستقامة والصدق ، واجتناب الخيانة والزور والغش ونحو ذلك . والخلاصة - إن جزاء الأعمال في الدنيا منوط بأمرين : كسب الإنسان ، وقضاء اللّه وقدره به ، وأما جزاء الآخرة فهو بفعل اللّه تعالى بلا وساطة أحد . « وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً » . ( أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) أي هؤلاء الذين لا همّ لهم إلا الدنيا وزينتها ، ليس لهم في الآخرة إلا النار ، لأن الجزاء فيها على الأعمال كالجزاء في الدنيا ، وهم لم يعملوا للآخرة شيئا ، فإن العمل لها يكون بتزكية النفس بالإيمان وعمل الفضائل - وبالتقوى باجتناب المعاصي والرذائل ، وما صنعوه فيها مما ظاهره البر والإحسان كالصدقة وصلة الرحم ونحو ذلك لم يكن تزكية لأنفسهم تقرّبهم إلى ربهم ، بل كان لأغراض نفسية من شهواتها كالرياء والسمعة والاعتزاز بذوي القرابة على الأعداء ولو بالباطل ، فلا أجر له فيها وقد انقطع أثره الدنيوي . وقد جاء في معنى الآية قوله تعالى : « مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً . وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ